الذهبي

43

سير أعلام النبلاء

وأقدم شيخ له أبو الفهم بن أبي العجائز . قال ابن النجار : سمعنا منه وبقراءته كثيرا ، وكتب كثيرا ، وحصل الأصول واستنسخ ، وكان يعيرني الأصول ويفيدني ويتفضل إذا زرته ، وكان من أئمة المسلمين حافظا للحديث متنا وإسنادا ، عارفا بمعانيه وغريبه ، متقنا للأسماء مع ثقة وعدالة ، وأمانة وديانة ، وكيس وتودد ، ومساعدة للغرباء . وقال الشيخ الضياء : كان حافظا فقيها ذا فنون ، وكان أحسن الناس قراءة وأسرعها ، وكان غزير الدمعة عند القراءة ، ثقة متقنا سمحا جوادا . قلت : وارتحل بأخيه أبي موسى ، فسمعا بأصبهان من مسعود الجمال ، وعبد الرحيم بن محمد الكاغدي ، وأبي المكارم اللبان ، وعدة . وقال الضياء : سافر العز مع عمه الشيخ العماد ، وأقام ببغداد عشر سنين ، فاشتغل بالفقه والنحو والخلاف ، وكان يقرأ للناس الحديث كل ليلة جمعة بمسجد دار بطيخ ، ثم انتقل إلى الجامع ، إلى موضع أبيه ، فكان يقرأ يوم الجمعة بعد الصلاة . وطلب إلى الملك المعظم ، فقرأ له في " المسند " على حنبل ( 1 ) وأحبه ، وخلع عليه . وهو الذي أذن له في المجلس بالجامع ، وطلب منه مكانا للحنابلة بالقدس ، فأعطاه مهد عيسى ، وكان يسارع إلى الخير ، وإلى مصالح الجماعة ، وكان لا يكاد بيته يخلو من الضيوف . ثم سرد له الشيخ الضياء عدة منامات رؤيت له تدل على فوزه . وقد رثاه الشيخ موفق الدين . ومات في تاسع عشر شوال سنة ثلاث عشرة وست مئة .

--> ( 1 ) حنبل بن عبد الله الواسطي ثم البغدادي الرصافي المكبر المتوفى سنة 604 .